ابن كثير
27
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الذي حرم اللّه عليه ، والذي أحل له ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « يحل لك الطيبات ، ويحرم عليك الخبائث ، إلا أن تفتقر إلى طعام لك ، فتأكل منه حتى تستغني عنه » . فقال الرجل : وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه » فقال الأعرابي : ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم « إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل ، فاجتنب ما حرم اللّه عليك من طعام مالك ، فإنه ميسور كله فليس فيه حرام » . ومعنى قوله « ما لم تصطبحوا » يعني به الغداء « وما لم تغتبقوا » يعني به العشاء « أو تحتفئوا بقلا فشأنكم بها » فكلوا منها . وقال ابن جرير « 1 » : يروى هذا الحرف ، يعني قوله « أو تحتفئوا » على أربعة أوجه : تحتفئوا بالهمزة ، وتحتفيوا : بتخفيف الياء والحاء ، وتحتفوا بتشديد الفاء ، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف ، ويحتمل الهمز ، كذا رواه في التفسير . حديث آخر - قال أبو داود « 2 » : حدثنا هارون بن عبد اللّه ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا وهب بن عقبة العامري ، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : ما يحل لنا من الميتة ؟ قال « ما طعامكم » ؟ قلنا : نصطبح ونغتبق . قال أبو نعيم : فسره لي عقبة ، قدح غدوة وقدح عشية ، قال : ذاك وأبى الجوع ، وأحل لهم الميتة على هذه الحال . تفرد به أبو داود . وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم ، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع ، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق ، واللّه أعلم . حديث آخر - قال أبو داود « 3 » : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا سماك عن جابر عن سمرة : أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده ، فقال له رجل : إن ناقتي ضلت ، فإن وجدتها فأمسكها ، فوجدها ولم يجد صاحبها ، فمرضت ، فقالت له امرأته : أنحرها فأبى ، فنفقت فقالت له امرأته : اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله ، قال : لا حتى أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأتاه فسأله ، فقال « هل عندك غنى يغنيك ؟ » قال : لا ، قال « فكلوها » قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر ، فقال : هلا كنت نحرتها ؟ قال استحييت منك ، تفرد به ، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها واللّه أعلم . وقوله : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي متعاط لمعصية اللّه ، فإن اللّه قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر ، كما قال في سورة البقرة فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 427 . ( 2 ) سنن أبي داود ( أطعمة باب 36 ) ( 3 ) المصدر السابق .